Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

نافذة على الغد

العولمة كيف تصبح خيراً على مصر ؟

الجزء الثالث والأخير

راجي عنايت

 العالم اليوم

 

 

   ×    الجهد الشاق المطلوب لإجتياز فجوة التخلف بيننا، وبين الدول التي أفاقت قبلنا.. بعد هذا الذي قلنا ، ماذا تفعل مصر حتى تصبح العولمة خيراً للشعب والحكومة معا ؟

 الإجابة بإختصار هي أن :

 1.       نفهم حقيقة وعمق وتشابك التغيرات التي يمر بها الجنس البشري حالياً، بما يسمح بتكوين رؤية مستقبلية شاملة لطبيعة الحياة الجديدة التي نمضي إليها.

2.                  نتعرف بأمانة وشفافية بعيداً عن الدعايات السياسية ، على الواقع الحالي لمصر، من النواحي الإجتماعية والإقتصادية والسياسية.

3.       نرسم أبعاد الرؤية المستقبلية لمصر، ونضع إستراتيجيات إعادة البناء في مختلف المجالات، وضبط توقيتات التطبيق وفق خطط قصيرة وبعيدة المدى.

هذا هو السبيل الوحيد للتقدم، وهو سبيل شاق للغاية نتيجة لتخلفنا عن الركب على مدى العقود الأخيرة من القرن العشرين، ولأننا تعودنا على إتخاذ قراراتنا وفقاً لما يطرأ علينا من مستجدات، دون جهد لإستشراف تلك المستجدات قبل أن تحدث.

ما الجديد في مصر ؟

 بعد أكثر من عقدين من مطالبتي بأن نهتم بإستشراف المستقبل، والسعي لطرح رؤية مستقبلية لمصر، أشعر أن دعوتي هذه بدأت تؤتي بعض الثمار المتواضعة في السنوات الخمس الأخيرة ، لكن المشكلة هي أن ترديد الكلمات المستقبلية وزخرفة الخطاب بها لا يكشف في أغلب الأحيان عن فهم حقيقي لما نتحدث عنه. ولا أزعم أن هذا التوجه يعود الفضل فيه إلى شخصي الضعيف، لكن المحرك الرئيسي هو التطورات التي يمر بها العالم ، والتي جعلت واضحاً لكل من يرى أننا على أبواب أزمات إقتصادية كبرى، خلال السنوات الأربع أو الخمس القادمة.

 ولا شك أننا في مصر قد تقدمنا خطوات ملموسة وأن كانت محدودة، في مجال التهيؤ لدخول على عصر المعلومات، وخاصة في مجال الإتصالات، والإعتماد على التكنولوجيات الإلكترونية المتطورة، وبخاصة في مجال الإنتاج وكذلك في مجال التخفيف من قبضة الحكومة على النشاط الإقتصادي، وفتح المجال أمام الإقتصاد الحر، وبدأنا نسمع عن التفكير في ضرورة إقامة مراكز التفوق للتعامل مع التكنولوجيات الجديدة ، وهذا أمر جديد علينا .. فمنذ عشر سنوات فقط، كان الدخول بجهاز فاكس أو تليفون لا سلكي يعتبر أمراً مخالفاً للقانون ، بدعوى الحفاظ على الأمن القومي، لكن التقدم التكنولوجي أسقط هذا المنطق ، فأصبح بالإمكان إرسال الفاكس بالكمبيوتر، رغم أنف الحكومة، ودون الحاجة لإستئذانها، مما إضطر الحكومة وزبانية الجباية بها، إلى إعفاء الفاكس من الرسوم وإجراءات الحيازة.

 التطور بالأمر الواقع، وبالقطعة

 المشكلة أن هذا الجديد يتم إستجابة للضغوط الخارجية، وتطورات التكنولوجيا كما أنه يتم بالقطعة أي تحرك هنا، وتحرك هناك، لمواجهة الأمر الواقع، أي المضي على نفس طريقتنا في إتخاذ القرار، إنتظار تحول المشكلة إلى أزمة، ثم محاولة البحث عن المتاح من الحلول الممكنة ، للخروج من تلك الأزمة لكن عملية إعادة البناء الشاملة التي يقتضيها الدخول إلى عصر المعلومات، لا تصلح معها هذه الطريقة لأن التغيرات التي تواجهنا لا تكون معزولة عن بعضها البعض، بل هي متبادلة التأثير فيما بينها.

فإستخدام التكنولوجيات المتطورة في الإنتاج، يقلص الحاجة إلى العمالة العضلية التقليدية، التي عرفها عصر الصناعة، ويضاعف أهمية العمالة العقلية أو المعرفية .. أي العمالة التي تفكر، وتواجه المشاكل، فتسعى إلى حلها دون إنتظار التعليمات أو التوجيهات من المستوى الأعلى ، وتجتهد في إكتشاف البدائل المختلفة للحل، وتكون قادرة على إختيار الحل الأمثل والأوفق في إطار ظروفها، ثم تعمد إلى تطبيقه .. ماذا يعني هذا ؟ .. وكيف يؤثر على باقي جوانب حياتنا ؟؟ .

 التغير .. وظاهرة كرة الجليد

 مجرد التحول من إلى العمالة العقلية، يعني إنقضاء التلقين في حياتنا الإجتماعية والسياسية ، فالتغيير يكون أشبه بظاهرة كرة الجليد ، التي ما أن تتحرك صغيرة من قمة الجبل حتى تتضخم أثناء حركتها إلى أسفل ، وبشكل آلي، للتحول إلى كيان هائل.

التحول إلى الإعتماد على العقل يقود إلى إنتهاء دور التلقين ، في أجهزة الإعلام التي ليس لها من شاغل سوى تلقين الجمهور تعليمات وتوجيهات ورؤى القيادات. وفي النظام التعليمي الذي ما زال يقوم على التلقين بشكل أساسي في معظم مراحله، رغم ما تردده وزارة التعليم يوماً من جهودها للتحول بالتعليم من التلقين إلى التفكير، لا بد من إعادة بناء شاملة لإعداد الإنسان القادر على العمل العقلي ، والتعامل مع مجالات الإنتاج الجديدة.

وعندما يعتمد العامل على عقله ، فلا بد أن يغير هذا من فهمنا للمارسة الديموقراطية، فالديموقراطية الشكلية التي نأخذ بها ، سواء في تكوين المجالس النيابية وإداراتها، لا تجدي مع جمهور يعتمد على عقله ويرفض ظاهرة "موافقون ؟ .. موافقة !" التي نشهدها اليوم.

هذا هو مجرد مثال لعنصر واحد من عناصر التغيير متبادلة التأثير التي نواجهها، وهذا هو ما يؤكد عدم جدوى ومحاولة إحداث التغيرات "بالقطعة" كل على حده ، واحد بعد الآخر.

 ما العمل إذن ؟..

 أن نفعل ما أشرنا إليه في مقدمة هذا الكلام :

 1.       الفهم قبل العمل أن نرصد التغيرات الكبرى في حياة البشر حالياً، وأن نسعى إلى فهم العلاقات متبادلة التأثير بينها، لكي نخرج من ذلك برؤية مستقبلية متكاملة لمجتمع المعلومات الذي سيحكم حياة البشر في المستقبل القريب، الفهم الذي أدعو إليه هو الركيزة التي ننطلق منها إلى الأمام ، ولهذا أردد دائماً شعار "الفهم قبل العمل".

قبل إندفاعنا العاطفي لإقامة كيان جديد للبحث التكنولوجي المتطور، لا بد أن نفهم علاقة هذه الخطوة بنظامنا التعليمي بأكمله، وبطريقة إدارتنا لمؤسساتنا، وبالقيم الجديدة النابعة من مقتضيات الحياة الجديدة، والتي يقتضي هذا الجهد إشاعتها.

2.       التعرف على واقع مصر ، قد يبدو هذا الجهد هيناً للوهلة الأولى ، فنحن ـ قيادة وشعباً ـ لا نعرف الواقع الحالي لمصر. الدواعي السياسية، تدفع القيادات ومن ثم وسائل الإعلام، إلى رسم صورة غير واقعية لحاضر مصر.. والمشكلة هي أن الذين رسموا معالم هذه الصورة ذاتهم ، ويصدقونها من فرط الإلحاح.

صدق صورة الواقع الحالي لمصر، هي نقطة الإنطلاق إلى الهدف، ألا وهو إعادة البناء الشامل وفقاً للرؤية المستقبلية الشاملة للتغيرات الحالية في العالم.

3.       الإستراتيجيات والخطط عندما نصل إلى رؤيتنا المستقبلية لمصر، نسعى إلى ترجمتها، على شكل مجموعة من الإستراتيجيات المتكاملة والتي تتناول كل مجالات حياتنا، ومجموعة من الخطط، قصيرة المدى وطويلته، تحكم تزامن خطواتنا، وفقاً لقدراتنا الحقيقية المتاحة.

---------------

 هذا هو بإختصار شديد، ما يمكن ـ ويجب ـ أن نفعله في مواجهة العالم المتغير حولنا لمحاولة تجاوز فجوة التخلف التي تفصل بيننا وبين الدول التي أفاقت قبلنا.